محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي ( ابن الأبار )
88
إعتاب الكُتّاب
الرشيد يومئذ ، فما عوّلت في الشكر إلّا على تقبيل باطن رجليه ! . . ثم قال : اذهب قد أحللتك محلّ يحيى ، ووهبت لك ما ضمّته أبنيته وحواه سرادقه ، فاقبض الدواوين ، وأحص جباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء اللّه . قال سهل : فكنت كمن نشر من كفن وأخرج من حبس . ثم جلّت حال سهل عند الرشيد وخصّ به ، فدخل عليه يوما وهو يضاحك ابنه المأمون ، فقال « 1 » : أللهمّ زده من الخيرات ، وابسط له في البركات ، حتى يكون كل يوم من أيامه موفيا على أمسه ، مقصرا عن غده ! فقال الرشيد : يا سهل ، من روى من الشعر أحسنه وأجوده ، ومن الحديث أصحّه وأبلغه ، ومن البيان أفصحه وأوضحه ، إذا رام أن يقول لم يعجزه ، فقال : يا أمير المؤمنين : ما ظننت أن أحدا تقدّمني إلى مثل هذا المعنى ! قال : بلى ، أعشى همدان حيث يقول « 2 » : رأيتك أمس خير بني لؤيّ * وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الخير ضعفا * كذاك تزيد سادة عبد شمس واستثقل المأمون سهل بن هارون « 3 » ، فدخل عليه يوما والناس على منازلهم ، فتكلّم المأمون بكلام ذهب فيه كلّ مذهب ، فلما فرغ أقبل سهل على ذلك الجمع فقال : ما لكم تسمعون ولا تعون ! وتشاهدون ولا
--> ( 1 ) - الخبر في العقد : 2 / 13 ( 2 ) - البيتان من الوافر ، وذكرهما الجاحظ في رسالته ( كتمان السر وحفظ اللسان ) انظر مجموع رسائل الجاحظ ( كراوس والحاجري ) : 38 ( 3 ) - الخبر في البيان والتبيين : 1 / 318 - 319 والعقد : 2 / 13 - 14